الذهبي

993

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

مائة مدينة ، وصنَّف التّصانيف الكثيرة ، إلى من لم يسمع إلّا ببغداد ، ولا روى إلّا عَنْ بضعةٍ وثمانين نفْسًا ؟ ! فأنت لا ينبغي أن يُطلق عليك اسمُ الحِفْظ باعتبار اصطلاحنا ، بل باعتبار أنّك ذو قوَّةٍ حافِظَة ، وعلْمٍ واسع ، وفنون كثيرة ، واطّلاعٍ عظيم ، فغفر اللَّه لنا ولك . ثمّ تنسبه إلى التّعصُب عَلَى الحنابلة ، وإلى سوء القَصْد ، وهذا - والله - ما ظَهَر لي من أَبِي سعد ، بل والله عقيدتُهُ في السُّنَّة أحسن من عقيدتك ، فإنّك يومًا أشْعَرِيّ ، ويومًا حنبليّ ، وتصانيفك تُنْبئ بذلك ، فما رأينا الحنابلة راضين بعقيدتك ولا الشّافعية ، وقد رأيناك أخرجت عدَّة أحاديث في الموضوعات ، ثمّ في مواضع أخَر تحتج بها وتحسّنها ، فخِلنا مساكتة . قَالَ أبو سعد ، وذكر ابن ناصر : كَانَ يسكن درب الشّاكريَّة ، حافظ ، ديِّن ، ثقة ، متقِن ، ثبْت ، لُغَوِيّ ، عارف بالمُتُون والأسانيد ، كثير الصّلاة والتّلاوة ، غير أنّه يحبّ أن يقع في النّاس ، كَانَ يطالع هذا الكتاب ، ويُخشى عَلَيْهِ ما يقع لَهُ من مَثَالبهم ، والله يغفر لَهُ ، وهو صحيح القراءة والنَّقْل ، وأوّل سماعه من ابن أَبِي الصَّقْر ، وذلك في سنة ثلاثٍ وسبعين . وقال أبو عبد الله ابن النّجّار : كانت لابن ناصر إجازات قديمة من جماعة ، كأبي الحسين ابن النَّقُّور ، وابن هزارمَرد الصَّرِيفِينيّ ، والأمير ابن ماكولا الحافظ ، وغيرهم ، أخذها لَهُ ابن ماكولا في رحلته إلى البلاد . قلت : وقرأت بخطّ الحافظ الضّياء : أجاز لأبي الفضل بْن ناصر أبو نصر ابن ماكولا ، وأبو القاسم علي بْن عبد الرحمن بْن عُلَيَّك في سنة ثمانٍ وستين وأربعمائة ، ومحمد بْن عُبَيْد اللَّه الصّرّام ، وأبو صالح أحمد بْن عبد الملك المؤذّن ، وفاطمة بِنْت أَبِي عليّ الدّقّاق ، والفضل بْن عبد الله بْن المُحِبّ ، وعبد الحميد بْن عبد الرحمن البَحِيريّ ، وأحمد بْن عليّ بْن خَلَف الشّيرازيّ . قلت : ولعلّه تفرّد بالإجازة عَنْ بعض هَؤُلّاءِ . وقال ابن النّجّار : كَانَ ثقة ، ثَبْتًا ، حَسَن الطّريقة ، متديّنًا ، فقيرًا ، متعفّفًا ، نظيفًا ، نَزِهًا ، وَقَفَ كُتُبَه ، وخَلَّف ثيابه وثلاثة دنانير ، وكانت ثيابه ، خِلقًا ، ولم يعقِب ، وسمعت مشايخنا ابن الْجَوْزيّ ، وابن سُكينة ، وابن الأخضر يُكثرون